صوت المحيط
ارفع نظرك الى السماء,ببطء رجاءاً..أمعن النظر جيداً...ثق أن أشياءاً كثيرة ستتغير ..أنا مؤمنة بذلك
.
.

نوتة السماء

23/02/2008
من يفهم لغة الحياة يستمتع بها ويؤثر فيه
وائل عادل ـ الجزيرة توك
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
استنفرت زملائي لنبدأ
حملة تطهير المكتب من الأوراق القديمة، تسلم كل واحد منا أحد الأدراج ليعيد ترتيبه.. أخذوا يقلبون في الأوراق.. رمى أحدهم ملفاً به بعض أوراقي بلا مبالاة.. أثار الملف انتباه .زميل آخر، وانجذب إليه حتى كدنا نعجز عن إخراج وجهه من داخل الملف!!
لقد رأى الأول في الأوراق خمسة خطوط متوازية، بينما رأها الثاني سلماً، ورأى الأول مجموعة من النقاط السوداء – بعضها له ذيل، بينما قرأها الثاني حروف لغة تنبض بالمشاعر المتدفقة، واعتبرها الأول أوراقاً ليس لها مأوى سوى سلة المهملات، واحتضنها الثاني كثروة من إهداء بتهوفن. عاتب الثاني الأول لجهله قيمة “النوتة”، وعاتبتُ كليهما لجهلهما قيمة السماء !!
كثيراً ما نواجه في حياتنا رموزاً نتوهم أننا ندري عنها، فالطفل الصغير يرى “النوتة” الموسيقية خمسة خطوط تزينها أشكال سوداء- بعضها له ذيل، أما الأكبر سناً فيخبرك أنها “نوتة” موسيقية يحار عاجزاً عن فك شفراتها، بينما يتمكن العازف من سماع اللحن بمجرد قراءة “النوتة”، وقبل أن تتكلم به أية آلة موسيقية، فاللحن يتجلى له من أول نظرة، لا ليسمعه؛ بل ليراه!!

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
ترى هل في حياتنا
أوراق أخرى – سوى “النوتة”- لا ندرك ما فيها إلا باعتباره خطوطاً؟؟!!، هل في الأحداث التي تمر علينا يومياً ما ننظر إليه كنقط سوداء، ربما افتقدنا ذيلها فلا نعيرها اهتماماً؟؟!! وهل ما نعتبره غير ذي معنى هل هو حقاً كذلك؟؟!! فعدم فهمنا للنوتة الموسيقية لا يعني أنها خاوية من المعاني.


كم من ثقوب -أشبه بتلك النقاط -نمر عليها يومياً دون أن نلقي لها بالاً، لكننا نكتشف إن أمعنا النظر أن هذه الثقوب الضيقة بوابات لعالم واسع جداً، فعندما تشير إلى ثقب في الحائط فأنت تشير إلى عالم بأسره، إلى عالم النمل!! فإذا تحولت إلى عقلة إصبع، ثم أجريت عملية جراحية لتكون في حجم ثقب الإبرة، ودخلت من بوابة النمل الكبيرة؛ ستكتشف أن النمل بدوره لديه ثقوب على جدران مملكته، فإن اقتربت من أحد الثقوب ستبصر عالماً جديداً، وهكذا..


وهذه العوالم المتشعبة ليست في العالم المادي المشاهد فحسب؛ بل توجد في حياتنا الاجتماعية والسياسية عوالم تتشعب منها عوالم، فعندما ينظر لك أحدهم بضيق، فاقرأ “نوتة” وجهه بدقة، هل هو فعلاً يعنيك أنت؟؟ وهل أصابه الضيق عندما رآك أم أنه كان متبرماً من قبل أن يراك؟ وهل أنت السبب المباشر؟ كل هذه ثقوب تقودك إلى عوالم جديدة، مما يجعل إطلاق الأحكام على ما نراه ليس يسيراً، فلربما اقتربت من عدو لك، لتكتشف أنه ليس بقعة سوداء لها ذيل، اعتَدَت على الخمسة خطوط وشوهَتْ الصفحة، فأحياناً تتكون العداوة نتيجة جهلنا بخصومنا، لا لمعرفتنا بهم!!


إن هذا يدفعنا دائماً إلى طرح الأسئلة على ما نراه، فربما نرى القشرة وتعمى عيوننا عن رؤية الجوهر، وكلما اقتربنا وازددنا عمقاً في الأسئلة كلما اخترقنا جدار القشرة لنكتشف عوالم جديدة، وهذا يجعلنا نعيش حياتنا كمكتشفين، مما يزيد من متعة الحياة، ويتجدد لنا يومياً إبهارها.

فلكي نستمتع بالحياة يجب أن نفهم لغتها، ولكي نتمكن من التأثير فيها علينا أن نتقن طرح الأسئلة عليها، ولكي نتجنب أعاصيرها يجب أن نسمع أصواتها قبل أن نراها، فلحن الأعاصير مدون على “النوتة” التي لم نُعر لها بالاً، وسرعان ما تقع في يد عازف محترف، سيرتعد العالم فرقاً إن داعب أوتار آلاته.


حينها سيكون السؤال.. هل فاجأتنا الأعاصير حقاً؟! أم أننا لم نحسن قراءة “النوتة”؟؟!!
خرجنا إلى الشرفة لنستريح قليلاً من عناء ترتيب المكتب، فإذا بنقطة جديدة تطالعنا، وثقب آخر يرتل علينا نفس الفكرة مؤكداً إياها، فالبعض يعتبره كشافاً للنور في الصحاري، والبعض الآخر يزجه دون إذن في قصيدة حب، لكن هناك آخرين ينظرون إليه باعتباره العالم الجديد، فالقمر أحد المستعمرات التي يتصارع عليها من يحسنون قراءة “نوتة” السماء. وفي الوقت الذي نرفع رقابنا لأعلى كي نراه؛ سنجد آخرين يعزفون على أوتار السماء بقوة، تتدلى أرجلهم على حافته المستديرة، ويحنون رؤسهم كي يرونا!!

(4) تعليقات

أضف تعليقا

اضيف في 24 فبراير, 2008 09:05 م , من قبل onfire
من مصر


تتساءلين هل هناك " نوتة " أخرى في الحياة ؟!

أعتقد أن الحياة نفسها ما هي إلا نوتة و لكنني لا أراها نوتة موسيقية بل أجدها مسرحية أكثر ..
مسرحية تهكّمية إذا أردتِ - أردتُ - التوضيح أكثر ..
نوتة مُبتذلة نعشقها رغم كل شيئ ..

نوتتكِ المُنتقاة اليوم أراها باعثة في الأمل على غير عادة " النّوت " التي اعتدت رؤيتها و لا تعطيني الفرصة للشعور بنقاطها السوداء المُذيّلة ..

نقاطها السوداء ما هي إلا نجوم مشتعلة منعتنا ضخامة عقولنا من اكتشاف لمعانها و قدرتها على إبراز ماهيتنا لنا ..

أشكر لكِ انتقاءك ..
شكرا

دمتِ سالمة


اضيف في 24 فبراير, 2008 09:26 م , من قبل dodo555555
من مصر

الغالية لطيفة
عندما قرأت مقالك الشيق هذا، توقفت عند الجزء الذى توضحين فيه أن كل انسان منا يفسر الرموز بشكل مختلف عن الآخر ، ولم املك الا الابتسام، فقد قفز إلى ذهنى قصة قرأتها منذ سنوات تحمل عنوان( أراجوزات)
وتصف فيها الكاتبة بطلة روايتها الطفلة التى لديها قصر نظر، حيث كانت تجد متعة كبيرة فى التطلع الى وجه معلمتها من بعيد، حيث انها كانت ترى حواجب المعلمة تلعب وكأنها أراجوزات!
وعندما أحضر لها والدها نظارة شعرت بالحزن الشديد، حيث انها اصبحت ترى وجه المعلمة واضحا، واختفت الاراجوزات.. ومن ثم فقدت مصدرا كبيرا للمتعة والضحك!


اضيف في 25 فبراير, 2008 02:31 م , من قبل latifatv
من المغرب

محق اخي محمد في وصف الحياة بمسرحية
ولطالما قلنا عنها مسرحية ..مسرحية كبيرة تقتل بالضحك
لكنها تقتل ب الهم اذا تقمصك دور شرير
او بالاصح دور درامي منهك.
بين النوتة والمسرحية
هناك موسيقى ساحرة..تسلب الالباب حيناً
وتكدر النفوس حينا اخر.


كم نحن متشابهون
وكم يتوصل امرؤ في التعبير عنا كما لانفعل نحن بماأُتينا من سبُل.
وهذا مافعلته مقالة الاخ وائل عادل هنا.

احيي تحليلك العميق مثل كل مرة
والمضيف لي..بارك الله فيك اخي محمد


اضيف في 25 فبراير, 2008 02:38 م , من قبل latifatv
من المغرب

وعليه اختي الحبيبة عبير
تتضح من خلال قصتك التي تفضلتي بمشاركتها معنا حقيقة أن فينا كبشر عالما..
رغبة ..
في الابقاء على حالنا كما هي
بلا اي طعم
متهربين من الوصول للوضوح في حياتنا
غير راغبين بالرؤية الصحيحة للاشياء.
وكأن جهلنا بالاشياء
فيه متعة..وادراكها ومعرفتها سيكون افضل..واكثر اشباعا لرغبتنا بتلقي الاجوبة التي ترهقنا حين لاتستجيب للرد على تساؤلاتنا..

اختي الغالية عبير
اخشى ان نكون ارجوازات في هذه الحياة
بينما جيد ان نكون نظارات لغيرنا
ونكون قبل ذلك
عيونا على انفسنا.

شكرا لك




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.